الحارث المحاسبي
218
الرعاية لحقوق الله
باب وصف خوف المذمة والطمع لما في أيدي الناس قلت : فكيف يخاف المذمّة ؟ قال : كالرجل ، يحضر العدوّ فيحضر القتال ، فيتقدّمه قوم هم أشجع منه ، فيصيروا في نحور العدو ولا يقوى هو على ذلك ، فلا يمكنه طلب الحمد ممن حضر إذا وقف مع العامة في الصفّ وساواهم ، وتقدّم الخاصة في نحور عدوهم ، فييأس أن يقول من معه في الصفّ ما أشجعه وهو مثله ، وهم يرون من تقدمهم وتقدمه ، فإذا يئس من الحمد ، وكان ممن لا يريد أن يقف في الصفّ جبنا ، أو غير ذلك ، أراد أن ينحاز عن الصفّ ، خاف أن يقولوا ما أجبنه فيحبس نفسه معهم لئلا يولي فيذمّوه على الجبن وقلة الرغبة في ثواب اللّه عزّ وجلّ . وكذلك من تخلف عن الصفّ الأول في القتال فلم يمكنه طلب الحمد على الشجاعة وأراد الانصراف لقلة رغبته في الأجر ، أو لجبن ، يمنعه من الانصراف أن يذمّ بالجبن ويسمّى به ، فصار حبسه نفسه في ذلك الموقف خوفا أن يذمّ ، ولولا ذلك لانصرف لأنه إذا خاف الهزيمة أو رأى كثرة القتل ، أحبّ أن يتنحى عن الصفّ أو يفرّ من العسكر والسريّة ، فإذا خاف أن يقال : جبن حبس نفسه على المقام . وكالرجل يكون مع القوم فيتصدق كل واحد منهم بالدينار وبالدرهم أو الشئ الكثير ، ولا تسخو نفسه أن يتصدق بمثل ما تصدقوا ، ويكره ألا يتصدق بشئ فيبخل ، فيتصدّق بالشئ اليسير لئلا يبخّل ؛ وقد ييأس أن يحمد إذ فاته